ابن الجوزي

116

صفة الصفوة

فسأل عنه فقال له رجل : إنه نبطي « 1 » . يريد أن يضع منه فقال جعفر : أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم مستوون . وعن سفيان الثوري قال : سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول : عزت السلامة حتى لقد خفي مطلبها ، فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول ، فإن طلبت في الخمول ولم توجد فيوشك أن تكون في التخلي ، وليس كالخمول ، فإن طلبت في التخلي ولم توجد فيوشك أن تكون في الصمت وليس كالتخلي ، فإن طلبت في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح ، والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها . وعن عبد اللّه بن الفضيل بن الربيع عن أبيه ولم يحفظ على الدعاء وبعضه عن غيره قال : حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال : ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتينا به تعبا ، قتلني اللّه إن لم أقتله . فتغافل عنه الربيع لينساه . ثم أعاد ذكره للربيع وقال : أرسل إليه من يأتي به متعبا . فتشاغل عنه . ثم أرسل إلى الربيع برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه ففعل . فلما أتاه قال له : يا أبا عبد اللّه أذكر اللّه فإنه قد أرسل إليك التي لا سوى لها قال جعفر : لا حول ولا قوة إلا باللّه . ثم أعلم أبا جعفر حضوره . فلما دخل أوعده وقال : أي عدوّ اللّه اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل ؟ قتلني اللّه إن لم أقتلك . فقال : يا أمير المؤمنين إن سليمان عليه السلام أعطى فشكر ، وإن أيوب ابتلي فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر ، وأنت من ذلك السّنخ فقال له أبو جعفر : إليّ وعندي ، أبا عبد اللّه ، البريء الساحة ، السليم الناحية ، القليل الغائلة ، جزاك اللّه من ذي رحم أفضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم . ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال : عليّ بالمنجفة فأتي بدهن فيه غالية فغلفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة . ثم قال : في حفظ اللّه وفي كلاءته . ثم قال : يا ربيع ألحق أبا عبد اللّه جائزته وكسوته ، انصرف أبا عبد اللّه في حفظ اللّه وفي كنفه . فانصرف ولحقته فقلت له : إني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره ، ورأيت

--> ( 1 ) نسبة إلى البطائح بين العراقين .